مجتمعي

زواج الأقارب.... موروث سيء أم مطلب مجتمعي

عُرف مجتمعي ساد منذ سنوات:

في المجتمعات الشرق أوسطية وخصوصاً المجتمعات العربية منها، يوجد إرث تاريخي مجتمعي كبير، ويتميز هذا التراث بالكثير من النُبل إذا ما قورن بالتراث الآخر في كثير من المجتمعات، ولكن هذا لا يعني أن كل ما في هذا التراث جميل ويصبغ المجتمع بصبغة وردية، فهناك الكثير من الموروثات البالية التي أكل الزمان عليها وشَرِب. قاومت الأجيال الجديدة الكثير من العادات والتقاليد البالية الموجودة في مجتمعاتنا، تلك العادات التي لا تمت لديننا ولا لمجتمعنا بصِلة، وهي فقط عبارة تراكم أفكار مغلوطة تحولت لنسق مجتمعي فيما بعد، وبالمقابل مازالت كثير من العادات متجذرة في نفوس الناس قبل المجتمعات التي تحتويهم، واستحالت عصيةً على الاقتلاع، فجذورها ضاربة لمئات السنين، ويعد زواج الأقارب واحدة من أكثر المعضلات التي تعايشها مجتمعاتنا، فإلى هذه اللحظة، ما زالت العادات والتقاليد داخل العائلة الواحدة أو القبيلة الواحدة تَفرض على الشباب داخلها سياسة الزواج من الأقارب، بل نُسجت حول هذه الخُرافة الكثير من الأمثلة المتداولة مجتمعياً من قبيل: "نار القريب ولا جنة الغريب"، " اللي بتعرفه أحسن من اللي بتتعرف عليه"، " اللي ما بياخد من ملتو بيموت بعلتو" ....إلخ من الأمثلة التي تُخيف الشباب المقبلين على الزواج من الاختيار من خارج عائلاتهم ودوائرهم الاجتماعية الضيقة، وفي حال الاختيار يبقى لابن العم وابن الخال المتقدمين لفتاة من العائلة الأفضلية على " الغريب" كما يَحلو للبعض تسميته، وهذا الغريب ليس من دولة أخرى كما يُخيَّل لك من اسمه، بل يكون ابن عائلة أخرى أو قبيلة أخرى من نفس البلد، وهذا سبب كافي ووافي ليتم رفضه.

سلبيات زواج الأقارب:

فيما لو أخذنا أبعاد هذه الظاهرة من عدة اتجاهات، نستطيع بسهولة أن نرى أن أضرار زواج الأقارب أكثر من فوائدها بكثير، فإذا ما ذهبنا إلى سلبياتها صحياً على الأسرة التي ستنشأ من هذا الزواج، فقد ذهبت العديد من الأبحاث الطبية الجينية للربط بين زواج الأقارب والأمراض الوراثية، وبشكل آخر نستطيع  القول بأنَّ هناك علاقة ما بين القرابة الأبوية للزوجين وبين وجود حالات اضطرابات وراثية بين الأطفال في هذه العائلة، أما إذا ما أتينا إلى الناحية الاجتماعية، فمن سلبيات زواج الأقارب أنه  في حال فشله لن يؤدي لتخريب العلاقة بين طرفي الزواج فقط، بل سيمتد ليشمل الأهل والأقارب للطرفين، فكم من عائلة في مجتمعنا تشتت شملها وتفرق جمعها بسبب زيجة فشلت بين طرفين من أبنائها، وهذا يؤدي لشرخ مجتمعي عمودي يَعصب رأب صدعه فيما.

وكي لا نغلو في هذا الطرح، وجب علينا من باب الموضوعية أن نسمع وجهة نظر الطرف الآخر المؤيد لهذا الزواج، فيقول أصحاب هذه النظرة أن زواج الأقارب يساهم في توطيد الروابط الأسرية ويزيدها متانة بين أفراد العائلة الواحدة، كما أنه يحرص على الحفاظ على ثقافة المجتمع الواحد بعدم دخول عنصر غريب ثقافياً عليه، كما أنه يكون وقاية للأطفال من التيه ثقافياً بين مجتمع الأب ومجتمع الأم وخصوصاً إذا كان كلٌ منهما من دولة مختلفة أو عرق مختلف وبالتالي من ثقافة مختلفة كلياً. يمكن القول إنَّ هذا الطرح يمثل الرؤية من زاوية ضيقة للعلاقات الإنسانية بين البشر ومنها علاقة الزواج، ونسدي نصيحة لزواج الأقارب بأن نهمس في آذان الشباب المقبلين عليه فنقول لهم: هذا الزواج غير محرم شرعاً ولا عُرفاً شرط أن يكون برغبة طرفيه وليس خضوعاً لأعراف المجتمع والتي بدورها ممكن أن تدمِّر حياة هذه الأسرة فيما بعد، ويوصلها للطلاق والجفاء.

وفي الخلاصة يمكننا القول أنّ الله تعالى شرَع الزواج بين الذكر والأنثى ليسهل حياة الناس، والزواج مقصد من مقاصد الخلق، ليعمر الناس هذه الأرض ويحفظون أمانة الله فيها، وعليه فإن الزواج وسيلة للتقارب والتعارف، والمجتمع العربي الحديث بما يحمله شبابه من وعي وثقافة قادر على اختيار الأفضل وتسيير هذا العقد المباح ربانياً ووضعياً لما فيه خير المجتمع ككل، وإن الزواج بصفتيه " القربى والتباعد" هو خير للمجتمع ويفضّل أن يكون هيناً ليناً لا ثقل فيه على طرفيه، وهو في النهاية يرجع إلى اختيار الشخصين المعنيين به، ولا حرج ولا تثريب على التباعد فيه ويتمثل هذا بالخطاب الرباني بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"




مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. موضوع جميل ومهم شكرا لك استاذ مراد
    اسمح لي بتعقيب بسيط على نقطة ان البعض يرى في زواج الاقارب تقويةً للعلاقات بينهم التي هي قوية أساساً بحكم القرابة , ولكن في المقابل إن زواج الاباعد ايضاً من شأنه ربط وتقوية علاقات متينة مع عائلات جدد ومجتمع قد يكون مختلفاُ , وقد يكون في زواج الاباعد تغيير نمط حياة وتوطيد علاقات مع اقارب جدد .
    واذا تعذر الاتفاق فلا ضير من زوجة من الاقارب وأخرى من الاباعد ,

زر الذهاب إلى الأعلى