النثر في العصر الجاهلي

1٬606

 

من المعروف عن  النثر أنه أحد أقسام الأدب العربي، ويختلف النثر عن الشعر بأنه خالي من القيود التي يتضمنها الشعر من حيث طرح الأفكار الشعرية بالقوافي والأوزان، كما أن الشعر يتفرع إلى فروع عديدة من موشحات ومخمسات وغيرها، إلى جانب أن النثر يملك عدداً من الألوان منها القصة والرواية والمسرحية والخواطر والخطابة والمقدمات والرسائل وغيرها، لكن النثر في العصر الجاهلي كان أسبق من الشعر وأغزر مادة، إلا أن الرواة لم يحفظوا منه شيئاً يذكر قياساً إلى ما حفظوه من الشعر[1].

فقد شهد النثر العربي منذ أقدم العصور تقلبات عديدة مختلفة من حيث الأساليب والأصناف والفنون النثرية، حيث أن بعض الفنون النثرية تغيرت في شكلها، إضافةً إلى أن الكتّاب المعاصرون لا يفكرون في طرح أنواع تلك الفنون النثرية، وبرز النثر في العصر الجاهلي للتعبير عن الأفكار والعواطف الإنسانية، وعلى الرغم من أن الوثائق التاريخية لا تشير إلى أن الجاهليين قد عرفوا الرسائل الأدبية ولم يتم تداولها في ذلك الزمن وقد يعود ذلك إلى أن الكتابة لم تكن منتشرة بينهم، علاوةً إلى صعوبة وسائلها جعلتهم لا يستخدمونها في الأغراض الأدبية النثرية، ولاحقاً أصبح استخدامها في الأغراض السياسية والتجارية[2].

أنواع و فنون النثر الأدبي في العصر الجاهلي

  1.  الخطابة

النثر في العصر الجاهلي

كانت الخطابة في العصر الجاهلي تقوم بمهمة النصح والإرشاد والتفاخر، وكذلك المنافرة والدعوة إلى حالة السلم ومحاولة حقن الدماء، حيث كانت تعقد في الأسواق والمحافل والوفود على الملوك والأمراء، ومن بين أشهر خطباء العصر الجاهلي يأتي قيس بن ساعدة وسهيل بن عمرو ولبيد بن ربيعة والحارث بن عبّاد البكري وأكثم بن صيفي التميمي.

  1.  القصة

كانت القصة في العصر الجاهلي تتناول حادثة واحدة أو وقائع عدة تتعلق بشخصيات إنسانية أو غير إنسانية، وكانت مقسمة إلى قسمين حسب طبيعة الأحداث، فكانت على شكلين إما واقعية أو خيالية خرافية، وكان القاص الجاهلي يتخذ مجلسه ليلاً أو في الأماسي على أطراف الخيام للقبائل البدوية المتنقلة، وكانت المواضيع والقصص التي يتناولها في مادته القصصية تدور حول مواضيع بغرض التسلية والمتعة أو الوعظ والإرشاد أو الخرافة والأساطير أو رواية قصص الفروسية والبطولات وتاريخ القبيلة وبطولات الأمجاد، وكانت تلك القصص التي يرويها مستقية مما تناقلوه العرب في العصر الجاهلي عبر الرواية من الأسلاف[3].

  1. الحكم والأمثال

وهي جمل قصيرة بليغة خالية من الحشو تشير إلى تجارب الحكماء والمعمرين في الحياة والعلاقات بين الناس، كما أنها ثمار ناضجة من ثمرات الحياة الطويلة، وقد اشتهر عند العرب في العصر الجاهلي طائفة من الحكمان مثل لقمان عادو، واكثم بن صيفي، وعامرين الظرب، وأكثم بن عامر، وهرم بن قطبة، ولبيد بن ربيعة، وقد لا يكون سيد أو شريف أو خطيب إلا تمت إضافة جملة من الحكم والأمثال إلى أقواله.

  1. الوصايا

تمتاز الوصايا في العصر الجاهلي بأنها ذات جمال ومتناسبة في الكلمات، ورقيقة في قولها، ومن الأمثلة الواردة في العصر الجاهلي وصية زهير بن جناب الكلبي لأبنائه، ووصية ذي الإصبع لابنه.

  1. النثر المسجوع للكهان

وهو ضرب من الخطابة الذي كان منتشراً في العصر الجاهلي إلا أنه انقرض مع ظهور الإسلام، ويتضمن عدداً من القوافي المكررة والغموض والتكلف، أما الكهان فهم رجال من العصر الجاهلي كانوا يعملون في الوظائف الدينية الوثنية في أماكن العبادات وبيوت الآلهة، وكان يطلق على أحدهم الكاهن منهم أكثم بن صيفي والمأمور الحارثي، وشافع بن كليب الصدفي، وشِقَّ ابن الصعب وسطيح بن ربيعة الذئبي، كما كان هناك نساء يشغلن في النثر المسجوع منهن كاهنة بني رئام، وسلمى بن أبي حيّة، والشعثاء وذي الخلصة والسعدية والزرقاء والغيطلة القرشية[4].

تطور النثر في التراث العربي مع ظهور الإسلام حيث كان النثر هو المدافع عن مبادئ الإسلام وأفكاره، و الاعتماد على النثر بشكل كبير ساهم في أن يكون له مكانة أرقى وأعظم خاصةً في الخطابة والكتابة اللتان أصبحتا وسائل هامة في بناء الدولة الإسلامية، فقد كان ظهور الإسلام بدء تطور في الخطابة حيث اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم أداة للدعوة إلى الدين الإسلامي من خلال عرضه على قومه من قريش وكان يستخدمها في الدعوة في الأسواق، وكان يخاطب الناس داعياً لهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة.

النثر في العصر الجاهلي

كان يحاول جاهداً أن يوقظهم من الغفلة التي كانوا بها، مستخدماً أسلوب الوعظ للتذكير بقوة الله عزّ وجل في تدبير الكون واستشعار كافة الكمالات الروحية والاجتماعية والإنسانية، وكان يخاطبهم من أجل إخراجهم من ظلمات الوثنية إلى نور الهداية السماوية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بليغاً متمتعاً بلسان فصيح، كما استمر الخلفاء الراشدون في إتباع نهج الرسول في الخطابة حيث كانوا يتمتعون بفصاحة وبلاغة استطاعوا من خلالها نشر وصايا الرسول وتعاليمه وساهمت الخطابة في ذلك العصر في الفتوحات الإسلامية عبر مخاطبة الجنود في الجيوش الإسلامية.

أما من حيث الكتابة فقد عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهداً على نشر الكتابة بين أصحابه واتبع في ذلك عدة أساليب، حيث افتدى بعض أسرى قريش ممن حذقوا الكتابة لتعليم صبيان المدينة من المسلمين، كما شجع الصحابة على تعلم لغة اليهود لأمن مكرهم.

النثر في العصر الجاهلي

وتطورت  الكتابة  في العصر الإسلامي وعرفت مجالات جديدة لم تكن معروفة من قبل في العصر الجاهلي، حيث أصبحت تستخدم في المعاملات والبيوع والعقود السياسية والعهود والمواثيق وكل ما من شأنه المساهمة في تنظيم أمور المسلمين، إلى جانب أنها أصبحت جزءاً من أعمال الدولة الأساسية لدى الخلفاء الراشدين في الدواوين سواء كان ذلك في العلاقات السياسية أو الاقتصادية بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الذمة والخراج وقسمة الغنائم بين المسلمين وغيرها من الأمور التنظيمية في أحوال المسلمين[5].

التعليقات مغلقة.