اللهجات العربية القديمة

162

لم تكن اللغة العربية حالة شاذّة عن باقي اللغات في العالم من حيث النشأة والتطور وكان منها اللهجات العربية، لكنها كانت حالة استثنائية من حيث سلامة اللغة واتزانها و محافظتها على ألفاظها، فقد أَكرم الله تعالى العرب والعربية بالقرآن الكريم والذي كان إعجازاً للعرب وللعجم على حد سواء.

اللهجات العربية القديمة

كان العرب في شبه الجزيرة قبائل كثيرة ومتعددة وتوزعت في أصقاع الجزيرة، كان لها فيما بينها اتصال متعدد، لكنها كانت تنفصل عن بعضها بعوامل عديدة منها: جغرافية وثقافية وحضارية وأزمنة متعددة. مارس العرب مهنة التجارة واختلطوا ببقية الأمم الأخرى، وأثروا وتأثروا بالأمم الأخرى، ونتيجة هذا الاختلاط وتعدد البيئات الجغرافية التي عاشوا فيها كل هذا بالإضافة لعوامل أخرى أدى لتنوع لهجاتهم واستقلت بعض اللهجات بحد ذاتها، فكان بعضها متصل مع بعض وحصل البعض الآخر منها على استقلالية كبيرة كالفرق بين لهجتي جنوب الجزيرة وشمالها.

اللهجات العربية القديمة

مع مرور الزمن عاشت بعض تلك اللهجات بينما اندثرت لهجات أخرى، ثم ظهرت لغة عامة تحدث بها العرب جميعاً في محافلهم وأسواقهم ومجالات القول عندهم، وعند نزول القرآن الكريم شدّ على أزرِ هذه اللغة الموحدة وجمعها وحفظها وأبقاها متداولة إلى يومنا هذا، وستبقى متداولة ما بقيت الخليقة على هذه الأرض.

تعريف اللهجة

هي طريقة معينة في الاستعمال اللغوي وتوجد في بيئة خاصة من بيئات اللغة الواحدة. لم يكن يوجد عند العرب قديماً لهجة واحدة كما يظن الكثير، بل كان عندهم العديد من اللهجات تتوزع بين الشمال والجنوب، والسؤال هنا: ما سبب تحول اللغة الواحدة إلى لهجات عديدة؟

عوامل تشعب اللغة العربية إلى اللهجات العربية:

  1. اختلاف البيئات الجغرافية: فاختلاف البيئة بين السها والجبل، والأراضي الزراعية والقاحلة وبين البادية والحاضرة، كل تلك الاختلافات الجغرافية أدّت لتشعب اللغة الواحدة، وإذا سادت لغة بين جماعة معينة في حيّز جغرافي معين، فإن ذلك يؤدي مع تطاول الزمن لتحول المنطوق الواحد من الكلام إلى عدة منطوقات ، وإذا كانت البيئة تؤثر على الصفات الجسمانية لساكنيها كالطول ولون البشرة، فإنها قادرة على التأثير على لسانهم.
  2. تنوع الظروف الاجتماعية: لا شك أن كل قوم لهم قوانينهم وطرقهم الخاصة في معيشتهم وتفكيرهم، سواء كانت الشعوب التي من ألوان مخلفة أو الشعب الذي من لون واحد مع طبقات مختلفة، فكل شعب له ملامح ثقافية وعادات وتقاليد خاصة تختلف من شعب لآخر ومن مستوى لآخر، فالعرب يختلفون عن العجم والعكس صحيح، وإذا ما جئنا للمجتمع الواحد فنجد ان فيه طبقات مختلفة منها الارستقراطية ومنها الطبقات الصناعية والزراعية وغيرها من المهن، وبقدر ما يوجد من تلك الاختلافات فإنه تتفرع على أساسها اللغة الواحدة للعديد من اللهجات.
  3. الاتصال البشري وآثاره: الإنسان مدني بطبعه وهو يساعد أخيه الإنسان ولذلك يتصل بنو البشر ببعضهم لتبادل المنافع، كما أن الانسان قد يهاجر من بلده الأصلي إلى بلدان أخرى بحثاً عن أسباب حياة أفضل، ونتيجة لاختلاط هذه الاجناس المختلفة مع بعضها نتيجة الهجرة، فإنه يصبح لديهم اطّلاع على لغات بعضهم البعض وهو ما سيؤدي لتمازج هذه اللغات سويةً ونشوء لهجة فيما بينها.

اللهجات العربية القديمة

من الأمثلة عن اختلاف لهجات العرب والتي كانت واضحة لدى بعض القبائل العربية دون غيرها، واصطلحت العديد من التسميات لهذه الاستعمالات اللغوية.

لهجات العرب السبع

اللهجات العربية القديمة كانت سبع لهجات مرتبطة بقبائل عربية معينة وهي كالتالي:

  1. العنعنة: وهي قلب الهمزة التي يبدأ بها الكلام إلى حرف العين، فيقال عن أذن الانسان: عذن، وعن أنّك كلمة عنك، وكانت هذه اللهجة معروفة ومنتشرة بين قبائل قيس وتميم.
  2.  الشنشنة: وهي إبدال الكاف شين كاملة، فيقال لبيش بدل لبيك، وتنسب إلى قبائل اليمن.
  3. الكشكشة: وهي وضع حرف الشين بعد حرف الكاف عند مخاطبة المؤنث، فيقال رأيتكش بدلا من رأيتك، وعندكش بدلا من عندك، وهذه اللهجة كانت موجودة لدى قبائل ربيعة ومضر.
  4. الكسكسة: وهي زيادة حرف سين بعد كاف المؤنث عند الوقف، فيقال عندكس، ومنكس بدل منك، وهي لهجة قبائل هوازن وربيعة ومضر.
  5. الفخفخة: وهي استبدال الحاء بعين، فيقال عتى بدلاً من حتى، وهي لهجة قبائل هذيل وثقيف.
  6. التلتلة: وهي كسر حرف المضارعة في الفعل المضارع، فيقال يِشهد بدل يَشهد، وهي لهجة قريش وتميم وقضاعة.
  7. الطمطمة: وهي إبدال لام التعريف ميم، فيقال امحرب بدل الحرب، و أمصيام بدل الصيام، وهي لهجات حمير وتميم.

اللهجات العربية اليوم

توجد اليوم الكثير من اللهجات العربية، ولن نقول أن لكل دولة عربية لهجتها الخاصة، بل في الدولة الواحدة نستطيع تمييز فارق في اللهجات بين المدينة والأخرى بنفس الدولة، وقد يسأل أحدهم: هل تشكل هذه اللهجات الكثيرة خطراً على اللغة العربية؟

الجواب بالتأكيد لا، ويعود السبب بذلك لأنها لهجات محكية لكنها غير مُدونة، بالرغم من ظهور بعض الأصوات هنا وهناك تطالب بتدوين اللهجات العربية الحالية، لكن تبقى هذه الأصوات بلا تأثير يُذكر، فالسوالد الأعظم من العرب مُتفق على التدوين بالعربية الفصحى فقط.

الخُلاصة:

اللغة العربية واحدة من أكثر اللغات في العالم استعمالاً، وهي اللغة الأكثر استمرارية في المستقبل حسب علماء اللسانيات، ويعود الفضل في هذا لأن الله تعالى أنزل القرآن بلغة عربية، واللهجات العربية ظاهرة طبيعية، فكل لغات العالم تتفرع إلى لهجات بسبب الكثير من العوامل، وكان من إعجاز القرآن الكريم أنه جمع اللهجات العربية، فكل قبائل العرب كانت تسمع القرآن وتفهمه على اختلاف لهجاتها.

التعليقات مغلقة.