الكذب وخطورته في المجتمع

757

الكذب آفة مجتمعية

الكذب واحدة من أعظم الآفات الاجتماعية التي تصيب المجتمعات وتهدم سلوكيات أبنائها، وهذه الآفة معول هدم وتقويض لإنجازات المجتمع المتمثلة بالتربية والتي تعمل عليها الأسرة والمدرسة والدولة على حد سواء.

والكذب هو النقيض للفضيلة الدينية وقيمها السامية، فقال الرسول محمد عليه الصلاة والسلام _بما معنى الحديث_: إن الانسان يكذب ويكذب ليكتب عند الله كذاباً. والكذب هو النقيض للعرف الاجتماعي الفاضل وخاصة فيما يخصنا كشعوب عربية مسلمة محافظة، حيث انه يعمل على قتل خصائل الثقة والاعتماد، ويدعو الكذب لتفشي  الريبة بين الناس ويشيع نقض المروءة ويحول الأمانات بين الناس إلى مشاع مستباح لا حرمة له ولا ذمة، ومن خصاله القاتلة أنه يتنقل بين الأجيال كسرطان مستشري في الجسد، ليقتل الفضيلة في النهاية.

تعريف الكذب

الكذب لغةً هو “الإخبار عن شيء بخلاف ما هو فيه سواءً بالعمد والخطأ”، وهو “نقيض الصدق”

أما اصطلاحا فهو “الادعاء أو القول على زعم مخالف للحقيقة عمداً بقصد الخداع”، بمعنى أنه يشمل كل ما يمكن أن يعد تغييراً للحقيقة كاملةً أو لجزءٍ منها, وهو كما قد يأتي بلفظٍ عام ليشمل كل أنواع الكذب وأساليبه, فإنه في الوقت عينه قد يوصف بصفات معينة وذلك تبعاً للزاوية التي ينظر إليه من خلالها.

الكذب: هو سلوك يتعمد فيه المراهق تجنب قول الحقيقة بقصد تضليل أو خداع الآخرين لتحقيق منفعة أو للهروب من عقوبة أو الانتقام.

أسباب الكذب

أسباب شخصية

1-تجنب العقوبة: محاولة تفادي العقوبة الناتجة عن سلوك غير قويم، وإسقاط وزر الجزاء الواجب عليه نتيجة هذا السلوك.

2-تحصيل مكاسب: تحصيل منافع لم يكن ليحصل عليها في حال اقراره بالحقيقة، او ستر موضوع شائن يسبب له خسارة مادية أو معنوية.

3-تجاهل ماضِ مؤلم: الولوج للخيال الذي لم يحدث أبدا، كب لا يصطدم بماضِ مزعج

4-الخيال الخصب

5-عدم القدرة على المواجهة: اتخاذ الكذب كسلاح للدفاع عن النفس بمواجهة واقع هو أضعف من مواجهته بشخصيته المهزوزة، فيلجأ لاختراع أحداث لا تمت للواقع بصلة.

6-اكتساب الشهرة: نزعة الانسان للشهرة والظهور الاجتماعي وادعاء ما ليس به إرضاء لاعوجاج نفسي فيه

7-كسب مصالح شخصية: الكذب للوصول لمآرب ومكتسبات شخصية لا يستطيع الانسان الحصول عليها بالحالة السوية فيلجأ للحلول الشاذة

8-العداء للآخَرين: وصف الآخرين بما ليس فيهم بهف الانتصار لضغينته تجاههم وتشويههم.

9-الغبن والانتقام: الدافع هنا رغبةَ وسبباً في الانتقام والحسد والمنافسة فيكذب لأنه لا يستطيع المنافسة بشرف مع أقرانه فيكذب ليغطي على انجازاتهم الكبيرة ولتضخيم إنجازه الصغير.

10-الاعتياد على الكذبِ والتربية عليه: نشوء الانسان في بيئة ممتهنة للكذب، فيكبر عليه ويصبح عرفاً عنده.

11-الشعور بالنَّصرِ على من يكذب عليه

12-لفت الانتباه وجلب الأنظار: عندما لا يكون للإنسان أي ثقل اجتماعي في وسطه المحيط يلجأ للكذب بغية لفت الانتباه إليه

أسباب الكذب الاجتماعية

ترتبط ظاهرة الكذب بعدد من العوامل ومنها:

  • الضغط الاجتماعي:

القوي الذي يمارس على الانسان فيلجأ للكذب لتخفيف ذلك العبء والحصول على بعض من حقوقه.

  • انغلاق المجتمعات:

التي لا يكون فيها تواصل مع بيئة مختلفة نتيجة تقديس الكبار سنا او مركزا اجتماعيا او سياسيا او علميا على حساب من هم أصغر منهم سنا او تجربة أو مركز اجتماعي، فيدفع الشخص هذا التسلط الفكري الحاصل بالكذب رفضا لسلطة هؤلاء الأشخاص الذين هم سبب تهميشه وكبته.

  • الخوف من العقوبة والزجر

فقد يكذب الانسان تفادياً للعواقب ولأنه يريد أن يثبت لنفسه شيء وينتصر على ذاته، ويبرر لنفسه ذلك على أنه اضطر لهذه الوسيلة ليحصل على غايته، ويوماً بعد يوم تنتقل هذه الوسيلة من منطقة المحظورات بداخلة لمنطقة التحليل والسماحية.

  • النصب والاحتيال

لكن يبقي أشد انواع الكذب هلاكا للمجتمع، عندما يستعمل الكذب في النصب والاحتيال للحصول على حاجيات لا تدخل في باب الحقوق المشروعة للفرد، حيث يكذب التاجر لبيع بضاعته الرثة بسعر البضاعة النافعة كما يكذب الموظف على المواطن عبر التهاون في إعداد معاملاته ليبتز حاجاته ويجعله يلجأ للرشوة. كما يحضر الكذب داخل العلاقات الاجتماعية بما فيها العاطفية حيث يسعى كل طرف إلى قضاء وطره من الطرف الآخر وفق أساليب ملتوية عبر بوابة الكذب.

أنواع الكذب

يصنف علماء الاجتماع الكذب الى انواع وهي:

 

أنواع الكذب

  • الكذب الخيالي:

من أكثر مظاهر شيوع هذه الظاهرة تكون عند الأطفال نتيجة لخيالهم الخصب، فيختلق الطفل أحداث لم تحدث بقصد التباهي أمام أقرانه، أو نيل اعجابهم، فيتحدث عن زبارة مكان لم يذهب إليه أبداً أو اقتناء حاجة من حوائج الكبار الغير مخصصة لعمره.

  • الكذب الادعائي

يمكن تسمية هذا المصطلح ب” نفخ البالون” حيث يقوم الانسان بحقن حدث صغير بالكثير من المغامرات والتفاصيل بقصد الحصول على إعجاب من هم حوله والتغطية على نقص يشعر به.

  • الكذب الانتقامي

كاختلاق الصفات الذميمة ونسبها لأشخاص معينين بغية تصفيتهم والانتقام منهم.

  • الكذب الدفاعي

فيلجأ اليه الفرد للدفاع عن نفسه وعن أخطائه أمام المؤسسات الحكومية والبنى المجتمعية.

  • الكذب المرضي أو المزمن

ادعاء المرض للتملص من استحقاقات معينة، ومع الاستمرار يتحول الادعاء لمرض حقيقي.

ويميز بعض العلماء بين نوعين من الأكاذيب، هما:

  • أكاذيب مضادة للمجتمع: وهي الأكاذيب التي تكون على النقيض من القيم الفاضلة، ويستخدمها الشخص للحصول على مكاسب على حساب الآخرين (مثل تحقيق مكسب، أو التهرب من مسؤولية).
  • أكاذيب مؤيدة للمجتمع: الأكاذيب التي يتم رميها واختلاقها لمساعدة الآخرين وتقديم الدعم لهم والإصلاح بين الأشخاص والبنى الاجتماعية، وجعل الآخرين يشعرون بمشاعر إيجابية، ويمكن أن نختصر الأمثلة ونقول أنه الكذب بقصد تحقيق الغايات النبيلة.

أخطار الكذب:

يترتب على الكذب عواقب وخيمة على الشخص الممتهن له، حيث يجعل الكذب سمعته بالحضيض ويؤدي لسقوط قيم إنسانية نبيلة عنه كالكرامة وتصبح ثقة المحيط به صفرية لكثرة بهتانه، ولا تقبل شهادته ولا يوثق بعهوده.
ويؤدي الكذب لضياع الفضيلة بالمجتمع، فتتعامل الناس مع بعضها على مبدأ الريبة والتشكيك، فلا المواثيق تبقى مواثيق ولا الأمانات تبقى بصفتها القدسية، وينحل المجتمع وتكثر فيه الرذيلة والانحطاط والجريمة

آثار الكذب

أضرار الكذب

يعتبر الكذب من الصفات السيئة التي يتحلى بها البعض وتظهر العديد من الاثار السلبية الناجمة عن الكذب وتتمثل في:

التأثير السلبي على الصحة البدنية والعقلية

أجريت دراسة في جامعة نوتردام الأمريكية بأداء 100 شخص في فترة عشرة أسابيع، توقف نصف المشاركين عن الكذب، لذلك وجدت الدراسة أن صحتهم الجسدية تحسنت بشكل ملحوظ ولا يعاني من صعوبة في النوم والتوتر، ويعاني من صداع أقل.

فشل العلاقات الاجتماعية

إن صناعة العلاقات الاجتماعية على أساس الكذب يجعلها عرضة للتهدم عند أول لحظة حقيقة تمر عليها، وما بني على باطل فهو باطل وتتسبب بردات فعل عكسية تضر بالشخص الكاذب ومجتمعه المحيط.

مجهود نفسي شاق

إن معيشة الانسان بنمط من الكذب تؤدي لبذله المزيد من الجهد النفسي لطمس الواقع وتبديله، وتكوين أحداث غير موجودة وتسويقها على أنها واقع للوسط المحيط، كما يقوم بعملية مذاكرة يومية مضنية للكذبات التي اخترعها وتكلمها وذلك للاحتفاظ بأحداثها وتنسيقها كي لا ينساها في حال سئل عنها مرة أخرى

الكذب علامة على النفاق

إذا اعتاد الإنسان على الكذب فإنه سيكون في موقف سوء، سواءً في يوم الحساب فإنه سيكتب كذاباً امام الله، أما في الحياة الدنيا سيكون محط عدم ثقة أمام الناس ولا يحترمه أحد حيث لا يعرف صدقه من كذبه .

مضيعة للوقت والجهد

في محاولة التمييز بين الحق والباطل وحقيقة الآخرين وذكر ابن القيم مجموعة من الأكاذيب السيئة، فقال: (بعض الدول والممالك أُخذت بالكذب، وأهلكتها الدول، وحرمت النعم، واضطربت بتعايشها، وفاسدة المصالح، وتدفق عليها العداء، وانقطعت عنهم المودة، وهم يفتقد الغني والمتواضع وهو غالي الثمن، وكان محصنا، وأخلته البيوت والقصور، وبنيت فيها القبور، وأخذ الشتائم منها، وأتى به وحش وأفسده بين الابن والأب، وأغضب الأخ والأخ، وأصبح الصديق عدوا واضحا واحدة من أكبر الأكاذيب هي أن الناس يكتبون “الحديث” وهم يعلمون أنه كذبة.

آثار الكذب على الفرد والمجتمع

إذا كان الإنسان يكذب بلا شك فهو يؤذي نفسه في إيمانه، لأن المؤمن ليس كاذباً، ومن وجهة نظر الناس فيه يفقدون الإيمان به ويمتنعون عن التعامل معه أما تأثيره على المجتمع فهو كبير, حيث يكون الكذب عادة وخلق مجتمع لا يستطيع المضي قدمًا لأن الكذب مرادف للفوضى والاضطراب ويسبب أيضاً العديد من المشكلات الاجتماعية ويتسبب في حدوث:

  • الكذب يذهب المروءة بين الناس.
  • يورث صاحبه الهوان على الناس.
  • يدفن الكفاءات ويصدر للواجهة الإمّعات ويدحض الحق ويقوي الباطل.
  • الكذب يفكك المجتمع ويشيع الرذيلة.
  • الكذب يقود الناس إلى التنفير وإبعاد المالك عنها.
  • يوصل الإنسان للنفاق وللدرك الأسفل من النار.

العواقب السلبية للكذب

ينتج عن الكذب العديد من العواقب السلبية وتتمثل في:

  • عقاب الله للكاذب، لأنه يبدل الحق باطلاً والعكس صحيح.
  • نقص الثقة بين الناس، وتسيُّد ثقافة الشك، فتضيع الأمانات ويستحل الحرام.
  • يفقد الفرد كرامته، ويقطع المروءة بين الناس.
  • يجعل الريبة هي المسيطرة ويتحسّب الأخ من أخيه.
  • يهدم الأسرة ويفككها.
  • إضعاف إيمان الشخص وسلب طاقته الروحية.
  • يقتل القلب، ويشيع الذنب فلا يميز الإنسان بين الباطل والحقيقي.

طرق التخلص من الكذب

يمكن للفرد التخلص من هذه الصفة السلبية المكتسبة من خلال بعض الطرق:

  • تدعيم الثقافة الدينية لدى الناس، وتوعيتهم بعقاب الكذب ونهي الله تعالى.
  • تلقين الأطفال ثقافة قول الصدق بغض النظر عن نتائجها.
  • إفشاء الفضيلة وقتل الرذيلة في المجتمع.
  • ردع من يمتهنون الذب ونبذهم اجتماعيا ليرجعوا لجادّة الصواب.
  • استهجان الكذب حتى لوكان بدافع المزاح.
  • الاجتهاد في طلب العلم النافع، لأنه سبب في قرب الإنسان من الله تعالى.
  • الالتزام بالصالحين في علاقات الصداقة، فالإنسان يتأثر بمن حوله سلباً أو ايجاباً.

الخاتمة

إنّ الكذب آفة وهو خلق وضيع، والكذب نقيض الحق فهو يرفع السفلة ويدني شأن العلماء، ويلبس الباطل لبوس الحق، وإنه مثلبة تفسد المجتمع من براعمه الصغار وصولاً لرجاله الكبار، وإنه يعدم المروءة ويلغي الأمانة ويفرق بين الناس، ويحول المجتمع من كيان مترابط إلى كيانات متحاربة، ويهدم الأسرة ويفشي المحسوبية والرشوة، ولعله من أبرز المثالب التي اجتمعت على نبذها الشرائع السماوية والدساتير الوضعية وذلك لخطره على الإنسان والمجتمع على حد سواء.

التعليقات مغلقة.