العلاقات الدولية… مفهومها وتاريخها

89

مقدمة:

منذ خلق الله تعالى الإنسان على هذه الأرض، فطره على أن يكون مؤثراً ومتأثراً بمن يحيط به من المخلوقات، ابتداءً من الطبيعة وصولاً لأخيه الإنسان، لذلك كانت الحاجة لوجود ناظم للعلاقات الإنسانية هي حاجة فطرية، حيث يخبرنا التاريخ أن شريعة حمورابي هي أقدم أشكال الفطرة الإنسانية في سن قوانين لتنظيم تعاملاتها.

ولأننا ننحدر من ثقافة عربية إسلامية فنحن مؤمنين أن الله تعالى أنزل وأوحى للإنسان منذ سيدنا آدم العديد من الشرائع والقوانين الناظمة لتعاملنا كبشر بين بعضنا، وتعامل البشر مع الطبيعة المحيطة بهم بما تحتويه من أنعام وحتى الشجر، فقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يوصي جيشاً للمسلمين: ” لا تقطعوا نخلاً ولا شجرة، ولا تهدموا بناء”، فيمكننا القول أن تلك الوصايا كانت عبارة عن قوانين للعلاقات الدولية بين الدولة الإسلامية في عهد الرسول الكريم مع غيرها من الدول في حالة الحرب.

هذه العلاقات تمتد لكافة حالات الدول من حرب وسلام ومعاهدة، ومع تطور النظام العالمي من حالة الممالك القليلة كالإمبراطورية الفارسية والرومانية  التي تحكم الأرض بشكل عام، مروراً بظهور العديد من الأقطاب والدول، وصولا للقرون الحديثة التي نشأت بها الدول القومية وتشكلت عصبة الأمم، كان علم العلاقات بين الدول يتطور بتناسب طردي مع المتغيرات، إلى أن وصلنا لشكل النظام العالمي الجديد المتحضر والذي تحتوي فيه هيئة الأمم المتحدة دول العالم وتنظم علاقاتها، وهو ما دعا لأن تتحول  العلاقات بين  الدول لعلم كامل وفرع خاص يدرس في كل مدارس وجامعات العالم تحت مسمى: العلاقات الدولية.

يمكن لأي باحث تخصص علاقات دولية  أن يعرِّف العلاقات الدولية من اسمها على أنها:

 “القوانين والأنظمة التي تحدد شكل العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الدول في حالتي السلم والحرب”. ولكن هذا التعريف البسيط لم يعد يعكس حقيقة العلاقات الدولية في ظل التشابك الاقتصادي والعسكري والسياسي الحاصل.

دراسة العلاقات الدولية

تكمن أهمية هذا المقالة كونها تسلّط الضوء على العلاقات الدولية في العالم القديم بشكل عام، وتربطها مع الحقب الزمنية التي تطورت عبرها، وكذلك إشارتها لتصدّر الدولة الإسلامية العربية منذ الخلافة الأموية مروراً للدولة العربية الإسلامية في الأندلس بحقبها التاريخية المختلفة ودورها في العلاقات الدولية، وصولاً للتاريخ الحديث.

كما تهدف هذه المقالة لمعرفة مفهوم العلاقات الدولية، وكذلك التاريخ القديم لها، ثم العلاقات الدولية بشكلها المعاصر

مفهوم العلاقات الدولية والعوامل المؤثرة فيها

مفهوم العلاقات الدولية

لأن العلاقات الدولية بمفهومها الموسَّع هي علم جديد، لم يتبلور إلا بعد الحب العالمية الأولى، ف لكي نصل للمفهوم العام للعلاقات الدولية، سوف نستعرض أهم التعريفات التي قالها رجال السياسة والأكاديميين المختصين في هذا المجال.

تعريف العلاقات الدولية:

بعض تعريف الأكاديميين والساسة الغربيين لمفهوم العلاقات الدولية:

  • تعريف الموسوعة البريطانية: هي العلاقة بين حكومات دول مستقلة، وتعمل كمرادف للسياسة الدولية[1].
  • تعريف جون بورتون: “علم يهتم بالملاحظة والتحليل والتنظير من اجل التفسير والتنبؤ”
  • تعريف مارك ريونلدز: ” إنها تهتم بدراسة طبيعة وإدارة والتأثير على العلاقات بين الأفراد والجماعات العاملة في ميدان تنافس خاص ضمن إطار من الفوضى وتهتم بطبيعة التفاعلات بينهم والعوامل المتغيرة المؤثرة في هذا التفاعل[2]“.
  • تعريف فريدريك هارتمان: ” تشمل العلاقات الدولية كل الاتصالات بين الدول وكل حركات الشعوب والسلع والأفكار عبر الحدود الوطنية”.
  • تعريف دانيال كولارد: ” العلاقات السلمية والحربية بين الدول ودور المنظمات الدولية، وتأثير القوى الوطنية ومجموعة المبادلات والنشاطات العابرة للحدود”.
  • بعض تعريف الأكاديميين العرب لمفهوم العلاقات الدولية:
  • تعريف عائشة راتب: علاقات الدول في الحرب والسلم.
  • تعريف محمد طه: العلم الذي يعنى بواقع العلاقات الدولية واستقرائها بالملاحظة والتجريب او المقارنة لأجل التفسير والتوقع[3]“.

بناءً على كل التعريفات الواردة أعلاه يمكننا أن نستخلص عنوانا عريضاً لمفهوم العلاقات الدولية كالتالي:

” هي العلاقات التي تربط بين الهيئات المعتبرة في الدولة كالبرلمانات والحكومات والمنظمات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، مع جميع الكيانات التي تقع خارج حدود الدولة، وذلك في حالات السلم والحرب، ويشترط أن تكون الدولة مستقلة وذات سيادة لكي تستطيع مؤسساتها بناء هذه العلاقات”.

الفرق بين العلاقات الدولية و الدبلوماسية

يحدث أحياناً نوع من الخلط ما بين الدبلوماسية للدولة وبين العلاقات الدولية، فلذلك سنقوم بتعريف كل منهما لملاحظة الفوارق الشاسعة بينهما، فالدبلوماسية للدولة هي: “برنامج عمل يتضمن تحديد الأهداف التي تسعى الدولة لتحقيقها، والمصالح التي تريد تأمينها مستخدمة جميع الوسائل التي تراها ضرورية[4]“.

دليلك الشامل في دراسة العلاقات الدولية

ومن خلال التعريفات السابقة للعلاقات الدولية ومقارنتها مع مفهوم الدبلوماسية، سنجد أنّ الثانية أكثر شمولية من الأولى، وإذا ما أردنا أن نعطي مثالاً نعايشه حالياً فالعلاقات الصينية_ الأمريكية خير دليل على ذلك، فالسياسة الخارجية لكلا البلدين تتسم بالعدائية تجاه كل منهما، بينما العلاقات الدولية بينهما على أفضل ما يرام فيكفي أن نعلم أنهما أكبر شريكين تجاريين لبعضهما لنعرف عمومية العلاقات الدولية أمام السياسة الخارجية، وفي منطقتنا الشرق أوسطية والخليج العربي، يمكن أن نسقط الحالة الأمريكية الصينية على العلاقة بين ايران والإمارات العربية المتحدة، فعلى الرغم من حالة التوتر بين الدولتين على صعيد السياسة الخارجية نتيجة عدة عوامل ومنها الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية[5]، تبقى الإمارات الشريك التجاري الإقليمي الأكبر لإيران.

العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية:

في العصور القديمة وقسم من القرون الوسطى كانت تتأثر هذه العلاقات بعاملين اثنين هما: الموقع الجغرافي وأهميته من حيث تحكمه بطرق التجارة البرية والمائية، والثاني هو القوة العسكرية لتلك الدولة والتي تؤهلها لاحتلال المناطق التي تتبع لدول أقل قوة، أما في العصور الحديثة فقد تغيرت المعادلة، واحتلت العوامل السابقة ذيل القائمة، ويمكن أن نجمل العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية خلال التاريخ الحديث والمعاصر ب خمسة  عوامل هي: العوامل الاقتصادية، الموارد الأولية، العوامل الجغرافية، القوة العسكرية، والتقدم العلمي والتكنولوجي[6] وسنستعرض تأثير كلاً منها على حدا:

  • العوامل الاقتصادية:

في العصور الحديثة أصبحت القوة الاقتصادية هي العامل الأكثر سطوةً على العلاقات الدولية، فالدولة القوية اقتصادياً تقدم نفسها على أنها رقم صعب في جميع المحافل الدولية، وتسعى الدول الأخرى على توطيد العلاقات معها بهدف الحصول على امتيازات اقتصادية، كما أن هذه الدولة تكون قادرة على منح القروض والهبات والمنح الإنسانية للدول الفقيرة، وهذا ما يجعلها محط اهتمام الدول الأخرى.

  • الموارد الأولية:

يعتبر الحصول على الموارد الأولية الخاصة بالصناعات هاجس اقتصادي للدول عامة وللمصنعة خاصة، ومهما بلغت قوة الدولة وتنوع مواردها فإنها لا تستطيع أن تلبي جميع المواد الأولية للصناعات فيها، وبسبب هذا العامل فقد قامت الكثير من الدول المتفقة أو المختلفة سياسياً بعقد اتفاقيات تجارية مهمة أرست دعائم علاقات دولية قوية بينها. وسابقاً في هذا البحث ذكرنا أمثلة عن هذه الدول.

  • العوامل الجغرافية:

منها الموقع وأهميته من حيث تحكمه بالممرات المائية والمضائق والمرافئ فيساعد الدولة على تحصيل رسوم جمركية وتزدهر بها التجارة، ومساحة الدولة وتنوع بيئتها مما يؤدي لتنوع الموارد وتعضيد الاقتصاد، والعامل البشري من حيث عدد السكان والذي يشكل ازدياده تزايداً لقوة الدولة الاقتصادية والعسكرية.

  • القوة العسكرية:

تعد القوة العسكرية للدولة هي من أهم العوامل المؤثرة في علاقاتها الدولية في مختلف العصور، فهي قيمة ثابتة عبر الأزمنة، لكن في العصور الحديثة أصبحت القوة العسكرية هي احدى مخرجات القوة الاقتصادية، وخير مثال على ذلك هو الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فكان لكل منهما تقريباً نفس القوة العسكرية، لكن الاتحاد السوفييتي تفكك لعدم وجود قوة اقتصادية مساندة للعسكرية كما هو الحال في الولايات المتحدة.

  • التقدم العلمي والتكنولوجي:

لا شك أن الدول كلما تقدمت في مجال البحوث العلمية والتكنولوجيا وصناعاتها، كلما ازدادت قوتها الاقتصادية والعسكرية وهو ما يؤثر إيجابيا على علاقاتها الدولية.

  1. تاريخ العلاقات الدولية في الدولة الإسلامية العربية القديمة

نقصد بمصطلح الدولة الإسلامية العربية في هذا المبحث الدول الإسلامية العربية الثلاثة التي تعاقبت في التاريخ وشكلت امبراطوريات عظمى وهي: الدولة الأموية والدولة العباسية والدولة الأموية في الأندلس، وسنتناول كل منها على حدا.

  • العلاقات الدولية على أيام الدولة الأموية

كانت القوة المجاورة للدولة الاموية في وقتها هي الإمبراطورية الرومانية الشرقية(بيزنطة) ومن الغرب الإمبراطورية الرومانية الغربية(روما)، فمنذ عهد معاوية بن أبي سفيان تنبه لخطر بيزنطة التي تقوم بأعمال عدوانية ضد الدولة الأموية فأرسل العديد من الحملات العسكرية باتجاهها وحاصر عاصمتهم القسطنطينية سنة 674 م، وبعد سنوات من الحصار تم فك الحصار وطلبت القسطنطينية عقد معاهدة صلح[7].

وبالرغم من حالة العداء بين الدولتين إلا أنه يمكننا القول أنه كان يوجد نوع من العلاقات الدولية بينهما، فقد كانت توجد علاقات تجارية وتبادل للخبرات وحتى تبادل سفراء، أما في الغرب فكانت المعارك تشتعل بين الدولتين كل فترة بسبب التهديدات الرومانية لمصر، حتى فتح المسلمين القسم الأعظم من المغرب وسيطروا على قرطاجنة آخر معاقل الرومان في المغرب العربي، ثم بقيادة طارق بن زياد تم عبور مضيق جبل طارق وسيطر على الأندلس.

يمكن أن نقول أنّ العلاقة بين الدولتين أخذت طابع الحرب كثيراً، ولكن ذلك لم يمنع من قيام علاقات دبلوماسية بين الطرفين في فترات السلم. وفي أقصى الشرق فتح الأمويون بلاد الترك ووصلوا لحدود الصين، وتم ابرام معاهدة سلام بينهم وبين الامبراطور الصيني لتكون واحدة من العلامات الفارقة على أول نموذج لعلاقة دولية بين الدولة العربية والشرق الأقصى، وكذلك فتحوا بلاد السند وساعدهم بذلك دخول سكانها بكثرة في الإسلام.

  • العلاقات الدولية على أيام الدولة العباسية

تغيرت أحوال الإمبراطورية الرومانية على أيام الدولة العباسية فانقسمت لدولتين: الأولى غربية سيطر عليها الجرمان والفرنجة وبقيت عاصمتها وما مجرد مركز ديني للبابوية لا أكثر، اما الثانية الشرقية فقد كان مركزها القسطنطينية والتي نقلت الثقل المسيحي إليها رداً على سيطرة الجرمان على الحكم الغربي، ونتيجة لهذا التفكك سعت القسطنطينية لمهادنة جيرانها العباسيين لكي يتفرغوا لمكافحة الجرمان وحدثت معاهدة بين هارون الرشيد والامبراطورة إيريني، وذلك لم يكن يلغي المناوشات المتكررة على التخوم ولكن بشكل عام كانت الأمور اكثر هدوءً وخصوصاً مع انشغال الدولة العباسية والقسطنطينية بأوضاعهم الداخلية غير المستقرة.

تم تبادل السفراء بين الدولتين وتنشطت التجارة فيما بينهم ومن أشهر المفاوضات بين الطرفين هي السفارة التي أرسلها الملك البيزنطي “ثيوفيل” للخليفة ” المعتصم” والتي استمرت مفاوضاتها قرابة ستة أشهر، أما الإمبراطورية الغربية الافرنجية فكان الوضع مشابه تقريباً، فقد كانت علاقتهم جيدة مع الدولة العباسية لكي يتفرغوا لعدائهم مع القسطنطينية في الشرق، ومع الدولة الأموية في الأندلس، وعندما اعتلى “شارلمان” سدة الحكم في الإمبراطورية الافرنجية سعى لتعزيز العلاقات مع الخليفة العباسي ” هارون الرشيد”، وفعلا حدث ذلك في أواخر القرن الثامن الميلادي حيث تم ارسال بعثات دبلوماسية بين الطرفين وتبادل هارون الرشيد وشارلمان الهدايا عن طريق تلك الإرساليات الدبلوماسية فيما بينهم، وتم عقد اتفاقيات بين الطرفين سُمح بموجبها للحجاج المسيحين من أوروبا زيارة أماكنهم المقدسة في المشرق، وازدهرت التجارة بين الطرفين.

  • العلاقات الدولية على أيام الدولة الأموية في الأندلس

على زمن الدولة الأموية في الأندلس كان هناك ثلاثة قوى كبرى هي: الدولة العباسية في الشرق، والامبراطورية البيزنطية في المشرق ومركزها القسطنطينية، والامبراطورية الافرنجية في أوربا والمتاخمة لهم، وهذا النمط من توزع القوى أدى لحالة توازن في العلاقات الدولية بينها في ظل وجود دولتين اسلاميتين في الشرق والغرب ومثلهما مسيحيتين.

عندما استلم عبد الرحمن الداخل الامارة في الاندلس سعى للسلم مع جيرانه المسيحيين الاسبان الشماليين لكي يستطيع تثبيت حكمه في الداخل فقعد معهم معاهدة صلح ضمنت عدم الاعتداء بين الطرفين، لكن الامبراطور الافرنجي شارلمان كانت عينة على الأندلس لاحتلالها وإعادتها للمسيحية، وكان هناك مناوشات بين الطرفين، وبعد ثورة السكسونيين عليه، اتجه للصلح مع الدولة الأموية فأرسل السفارات والرسل والهدايا لعبد الرحمن الداخل، وبادله الأمير الاموي بذلك وقَبِل الطرفين بعضهما على مضض.

فيما يخص العلاقات بين الدولة الأموية في الأندلس والدولة العباسية في بغداد فقد كانت تحمل طابع العداء الكبير من العباسيين تجاه عبد الرحمن الداخل والدولة الأموية، فقد حاول الخليفة المنصور تغذية الثورات الداخلية ضد عبد الرحمن الداخل، وسار على هجه خليفته في الحكم المهدي، وامتدت حالة العداء حتى زمن هارون الرشيد الذي سعى للإطاحة بالدولة الأموية بالأندلس وذلك بالتحالف مع الملك الإفرنجي شارلمان، إذن نستطيع القول أنّ العلاقات لم تكن ودية أبداً لكن مع كل ذلك لم يُسيّر العباسيين الجيوش لغزو الأندلس.

  1. تاريخ العلاقات الدولية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية وصولاً للحرب العالمية الأولى

كانت القوى الموجودة في المشهد الدولي آنذاك متمثلة ب: الدولة العثمانية وروسيا القيصرية وكلاً منهما يقع شرق أوروبا، أما القوى الأوروبية فقد كانت متمثلة بدولتين مؤثرتين على مسرح الأحداث هما فرنسا وبريطانيا، وبشكل أقل كل من النمسا وبلجيكا وألمانيا، ويتم التركيز في هذا المبحث على العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية، لأنها التي رسمت ملامح التوازنات في أوروبا في ذلك الوقت.

  • العلاقات بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية

سعت روسيا لدعم الحركات القومية السلافية في شرق أوربا والتي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية، بهدف زعزعة استقرار الدولة العثمانية بهدف التمدد نحو المياه الدافئة والسيطرة على الكنائس الأرثدوكسية الشرقية، آيا صوفيا وانطاكيا وبيت المقدس[8] ، ولأن العلاقات الروسية البريطانية كانت متوترة، عمدت روسيا لطلب عقد اتفاقية بينها وبين الدولة العثمانية عام 1853م، وحصلت روسيا بعد هذه الاتفاقية على العديد من الامتيازات الدينية داخل أراضي الدولة العثمانية.

سرعان ما نقضت روسيا هذه الاتفاقية وهاجمت جزيرة القرم لتحدث الحرب بين الدولتين، وهنا سننتقل للعلاقات بين فرنسا وبريطانيا من جهة وطرفي الصراع من جهة أخرى، فقد عمدت بريطانيا للاصطفاف مع الدولة العثمانية وذلك للجم روسيا وأطماعها التوسعية، اما فرنسا فقد اصطفت هي الأخرى لجانب الدولة العثمانية في هذه الحرب نتيجة لاعتبارات دينية ضد روسيا، وأعلنت الدولتان الحرب على روسيا وتم طرد الروس من عدة أراضي كانوا يحكمونها شرق أوروبا، وكان لبريطانيا وفرنسا أهداف بعيدة بهذه الحرب وهي: طرد روسيا من منطقة البلقان، وإبعاد الأسطول الروسي من البحر الأسود، وبعد إسقاط التحالف العثماني الفرنسي البريطاني لأكبر قواعد روسيا العسكرية” سبا يستول” وافق القيصر الروسي على الرضوخ لاتفاقية باريس1856م، والتي رسمت بنودها شكل العلاقات بين أطراف الصراع آنذاك، وكانت بنودها:

  • تضمين الدولة العثمانية ضمن المحفل الأوروبي.
  • قبول مبدأ التحكيم عند نشوب الصراعات بين أطراف الاتفاقية.
  • تتكفل الدول الأوروبية بضمان استقلال وسيادة الدولة العثمانية.
  • تعهد السلطان العثماني بالقيام بالإصلاحات في بلاده.
  • حياد البحر الأسود وإغلاقه بوجه السفن الحربية.
  • منع روسيا من بناء الحصون على البحر الأسود.
  • إعادة مدينة قارص للدولة العثمانية، والاعتراف بسيادة روسيا القيصرية على جزيرة القرم[9].

وبعقد اتفاقية باريس تكون قد تحددت معال العلاقات الدولية بين القوى المتسيّدة للمشهد في أوروبا، وكانت هذه الاتفاقية بمثابة سبب بعيد لنشوب الحرب العالمية الأولى بعد أن أخلّت عدة دول بالتزاماتها، ولأن هذه الاتفاقية لم تكن سوى أمر واقع أُجبرت عليه جميع أطرافها.

  1. تاريخ العلاقات الدولية قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها

  • قبل الحرب العالمية الأولى

لقد كانت العلاقات بين دول أوروبا قبيل الحرب في حالة من العداء الظاهر، ولم تكن الحرب إلا النتيجة الحتمية للمشهد المعقد آنذاك، فقد كان العداء مستشري بين ألمانيا وبريطانيا نتيجة لسباق التسلح بين الدولتين[10] وسعي كل منهما لفرض هيمنته، أما العلاقة بين فرنسا وألمانيا لم تكن أفضل حالاً وذلك بعد احتلال ألمانيا لمقاطعتي الألزاس واللورين الفرنسيتان، كما أن رغبة طموحات ألمانيا بالاستعمار خارج القارة أثار حفيظة الإنكليز والفرنسيين بوصفهم أكبر مستعمرين أوربيين خارج القارة.

من ناحية روسيا فقد كانت بحالة من العداء ضد النمسا لدعمها الحركات القومية في مناطق شرق أوروبا والتي كانت تخضع للسيطرة الروسية، ولم تكن علاقاتها أفضل مع ألمانيا التي كانت تدعم الدولة العثمانية العدو اللدود لروسيا، أما الدولة العثمانية فقد كانت في حالة من العداء مع فرنسا وبريطانيا اللتين ظهرت مطامعهما في نفوذ الدولة العثمانية، ووقوفهما بشكل ضمني مع روسيا خلال معاهدة باريس 1856م حيث أعطوا لروسيا أراضي كثيرة كانت تحت سيطرتها، أما علاقة الدولة العثمانية وروسيا فقد كانت علاقة الأعداء المتربصين منذ حرب جزيرة القرم. نتيجة لهذه العلاقات المتأزمة والتي تعد هي السبب الحقيقي للحرب، اصطفت الدول بجانب بعضها ضمن ما يجمعها من مصالح.

  • السبب المباشر للحرب

كان السبب المباشر مقتل ولي عهد النمسا على يد مواطن بوسني أثناء زيارته لها، وهو الأمر الذي وضع الحكومة الصربية تحت دائرة الاتهام، فأعلنت النمسا الحرب على صربيا بدعم من ألمانيا، فتدخلت روسيا لجانب صربيا ثم تبعتها بريطانيا وفرنسا، واستمر الاصطفاف بجانب طرفي الحرب، إلى أن تشكل معسكران: الأول هو دول الحلفاء ويضم كل من فرنسا وبريطانيا وروسيا بجانب صربيا، أما الثاني فعرف بدول المحور والذي ضم ألمانيا والدولة العثمانية وبجانب الإمبراطورية النمساوية المجرية.

  • أثناء الحرب العالمية الأولى

لقد انقسمت قارة أوروبا بفعل الحرب العالمية الأولى التي بدأت في عام 1914م لقارتين متصارعتين، فقد اصطفت دول المحور في مواجهة الحلفاء، ثم ما لبثت أن ساءت العلاقات بين الدول الفاعلة على الكوكب، نتيجة دخولها في الحرب، فقد دخلت اليابان الحرب بجانب بريطانيا، وانضمت بلغاريا للحرب بجانب ألمانيا، بينما كانت روسيا أول المنسحبين من الحرب بسبب الضربات الألمانية وقيام الثورة البلشفية، واستمرت الحرب حتى عام 1918م، وكان السبب المباشر لإنهائها دخول الولايات المتحدة في الحرب لجانب الحلفاء[11].

  • بعد الحرب العالمية الأولى

لقد كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة المخاض الذي نتج عنه شكل العالم الجديد والذي نعايشه حاليا، ونتج عن الحرب ثلاث معاهدات دولية بإشراف الولايات المتحدة، حيث حددت هذه المعاهدات شكل العلاقات الدولية بين الدول المتنازعة، وهذه المعاهدات هي:

  • معاهدة فرساي: أهم مقرراتها انها أعادت أراضي فرنسا التي احتلتها ألمانيا لسيادة فرنسا
  • معاهدة سان جيرمان: أهم مقرراتها تفكيك الإمبراطورية النمساوية، وتقسيمها لدولتين هما النمسا والمجر
  • معاهدة سيفر: كانت معاهدة تفتيت للدولة العثمانية وإعطاء أراضيها في قارة أوروبا لليونان وإيطاليا، وتشكيل دولة مسيحية في الشرق وهي أرمينيا، ونزع سيادة الدولة العثمانية عن المضائق المائية في البحر الأسود تحت إشراف دولي.

ختاماً يمكننا القول إن العلاقات التي تنظم شؤون الناس هي مطلب فطري بشر، والعلاقات بين الدول هي مطلب حضاري ينظم العلاقة بينها، وللعلاقات الدولية بين الدول مقومات وأهداف، وكلما ازدادت قوة الدولة في المناحي المختلفة كلما زادت قوتها في العلاقات الدولية، كما أن علم العلاقات الدولية بشكله ومسماه الحالي لم ينشئ إلا بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أنّ العلاقات الدولية كانت موجودة وتطبق عبر التاريخ القديم وصولاً لحاضرنا الحالي.

مفهوم العلاقات الدولية

لقد ارتأيت أن يكون موضوع مقالي هذا في العلاقات الدولية مركزاً على تاريخها القديم وصولاً لبداية القرن العشرين، كي أسلط الضوء على فاعلية الدولة العربية الإسلامية كلاعب أساسي على الساحة العالمية لمدة تزيد عن ألف عام، وكذلك لإيماني المطلق بأن فهم تاريخ تجربة ما هو السبيل الأمثل لتوقع مستقبلها، وليكون لنا بتاريخنا المشرف نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقاً.

التعليقات مغلقة.