الأنساق والنظام الدولي

332

مقدمة عن الأنساق

لا شك أن المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها وتحولها من نمط الحياة البدائية إلى أنماط جديدة، وتكوينها لتجمعات بشرية تربطها روابط أو أهداف متماثلة، سعت لتأطير العلاقات فيما بينها في مختلف حالات تشابكها سواء كانت سلماً أو  حرباً، فكان الهدف الفطري لإنشاء تراتبية جامعة لها يطغى على كل ما يفرقها، فعمدت الامبراطوريات في العصور القديمة لإنشاء سفارات وممثليات فيما بينها وذلك بطموح منها لإيجاد صيغة تنظيمية تحدد أطر علاقات تلك الدول وحدود تعاملاتها.

يمكن أن نطلق على تلك الممارسات على أنها نظام دولي بشكل بدائي، وإذا ما عدنا للتاريخ وبداية تبلور الشكل الحقيقي للنظام الدولي، فيمكننا القول إن معاهدة ويتسفاليا ” فيتسفاليا ” والتي أبرمت في العام 1648م، والتي انتهت بموجبها مجموعة من الحروب الكبيرة التي أرهقت القارة العجوز، كانت التجسيد الأول للنظام الدولي بشكله الحديث، وبقيت هذه المعاهدة سائدة إلى بدايات القرن العشرين ونشوب الحرب العالمية الأولى والتي كانت سبباً بإنهاء امبراطوريات كبرى وصعود قوى أخرى.

بعد الحرب العالمية الأولى تم تأسيس ما يسمى ب” عصبة الأمم” وذلك في يناير من العام 1920، حيث كانت هذه المنظمة هي التجسيد الحقيقي للنظام الدولي بشكله الجديد وضمت 58 دولة حول العالم شكلت نسق عالمي اتفقت فيه أطرافه على العديد من الأهداف، واستمر الوضع على ما هو عليه إلى حين نشوب الحرب العالمية الثانية في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، وأسفرت نهاية هذه الحرب عن تأسيس هيئة الأمم المتحدة في أكتوبر من العام 1945م في الولايات المتحدة، وبتأسيس هذه المنظمة تشكلت معايير النظام الدولي بشكله المعاصر.

منذ التاريخ الآنف ذكره مر النظام الدولي بعدة محطات منها تسيّد القطبين السوفييتي والأمريكي المشهد العالمي منذ خمسينات القرن الماضي ووصولاً إلى بداية التسعينيات من القرن نفسه وما تخلل العالم من انقسام بين معسكرين شرقي وغربي والحرب الباردة التي كانت عنوان المرحلة، ومن ثم سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي ووصول العالم لنسق يشتمل على ” القطب الواحد” والذي تتزعم فيه الولايات المتحدة الأمريكية العالم كاملاً. تأتي أهمية هذا المقال من كونه يسلط الضوء على النظام الدولي بحقب مختلفة، كما سيتم فيه ذكر ومناقشة التعريفات المختلفة للقانون الدولي وسنتطرق للنسق في النظام الدولي وآثارها على الاستقرار الإقليمي والدولي، متضمنة السياسات الخارجية لتلك الدول.

 النظام الدولي والنسق الدولي:

تعريفه النظام الدولي:

اجتهد الكثير من الباحثين في المجال السياسي لتعريف النظام الدولي، وأوردوا له الكثير من التعريفات، ولقد حاولنا اختيار أشملها ويمكن القول أنه: الإطار المؤسسي والدبلوماسي والسياسي والقانوني الناظم للعلاقات الدولية خلال فترة تاريخية معينة. ويعد تفاعل الوحدات السياسية لهذا النظام (دول العالم) تعاونا وتنافسا وحربا هو المحرك الأكبر فيه، إضافة إلى كل إطار تنظيمي قادر على التأثير في واقع العلاقات الدولية، مثل المنظمات والحركات السياسية والشركات الكبرى ذات النفوذ العابر للحدود.

من التعريف السابق يتضح للقارئ أنه يوجد ضمن النظام العالمي مجموعة من التجاذبات التي يمكن ان تحدث في أي لحظة بين مجموعة من القوى المتواجدة على الساحة الدولية، وغالباً تكون المصلحة الخاصة بهذه الدولة أو تلك هي ما تسبب هذا التجاذب، على إثر هذه التجاذبات تتشكل مجموعة من التكتلات المختلفة والمنضوية تحت راية مصلحة معينة، ويطلق على ذلك بعلم السياسة الحديثة مصطلح ” النسق الدولي” أو الأنساق العالمية.

تعريف الأنساق الدولية:

يوجد العديد من التعريفات المتنوعة للنسق الدولي، فبحسب ” مورثون كابلان ” هو: مجموعة من المتغيرات المترابطة فيما بينها إلى درجة كبيرة، ومتغايرة في الوقت نفسه مع بيئاتها، كما أن بينها علاقات داخلية تميزها عن مجموعة المتغيرات الخارجية، أما وفق تعريف ” محمد ادريس ” فهو مجموعة تفاعلات وشبكة معقدة من العلاقات التي تتضمن عناصر القوة أو السلطة، فهوم لا يعدو أن يكون مفهوماً تحليلياً يستخدم لفهم الظاهرة السياسية أو لتسهيل عملية التحليل، أي هو تصور يستخدمه الباحث لتحليل جوانب الظاهرة المدروسة.

الأنساق

 

أنواع الأنساق الدولية:

بما أن النسق الدولي يشتمل على وجود رابطة بين العديد من الدول المتباينة في قوتها، فإما تقوم بقيادتها قوة قطبية مؤثرة تكون لديها المقومات لقيادة تلك المجموعة، حيث يكون لديها ثقل يؤهلها على تنظيم العلاقات بينها وبين تلك الدول من جهة، وعلاقات تلك الدول فيما بينها، وكذلك قادرة على تحقيق المصالح المنشودة لهذا النسق، أو يكون النسق الدولي مشتمل على وجود قطبين أساسيين يحددان من خلال تماثل أو تقارب قوتهما المصالح الباقية للاعبين المشتركين في النظام الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة القطبين الأساسيين المسيطرين ويمكن تمثيل الحالة  بهرم مصلحي تتربع على قمته تلك الدولتان، ثم نتدرج فيه نحو الأسفل باتجاه بقية اللاعبين، أما النوع الثالث فهو النسق الذي يتضمن وجود حالة من التوازن بين أقطاب متعددة عن طريق عقد معين يضمن مصالح المشتركين فيه، وغالبا يحصل مثل هذا النسق عند غياب قوة واحدة مسيطرة أو أكثر تستطيع فرض دور القيادة على البقية كما في النوعين السابقين.

إذن نستطيع القول أنّ ميزان القوة هو المحدد الأساسي لشكل الأنساق الدولية.

أمثلة عن الأنساق الدولية:

  1. النسق الدولي أحادي القطب: خير مثال عليه هو الفترة الممتدة من تسعينيات القرن وحتى أيامنا هذه، حيث تسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بجوانبه المتعددة اقتصادياً وعسكرياً، وهي قوة مهيمنة على المصالح العالمية، وساهمت هذه الهيمنة بحل العديد من الأزمات حول العالم كتحرير الكويت من الاجتياح العراقي في العام 1991م، كما ساهمت بقيام العديد من الحروب وخصوصاً مع تبني السياسة الخارجية للولايات المتحدة مبدأ مكافحة الإرهاب خارج الحدود والذي أسفر عن احتلال أفغانستان في العام 2001م، واجتياح العراق 2003م.
  2. النسق الدولي ثنائي القطب: في التاريخ الحديث كانت الفترة الممتدة من خمسينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته هي الفترة المتسمة بهيمنة الثنائي القطبي المتمثل بالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على العالم، وبقي هذه النسق مستمر لحين انهيار الاتحاد السوفييتي في العام في بداية التسعينيات. ساهمت الثنائية القطبية هذه بمنع حدوث الحروب حول العالم، لكنها اتسمت بصراع خفي غير معلن سمي بالحرب الباردة، لعل أهمها تفادي الحرب التي كانت ستنشئ على أعقاب الأزمة الكوبية في العام 1962م.
  3. النسق الدولي متعدد الأقطاب (توازن القوى):

لعل دول القارة العجوز أوروبا طبقت هذا المبدأ في حقبتين تاريخيتين مختلفتين، الأولى كانت عقب اتفاق ويتسفاليا الذي أنهى الحرب بين القوى الأوروبية المتمثلة بإسبانيا وحلفائها من جهة، وألمانيا وفرنسا وحلفاؤهم من جهة ثانية، أما الثانية فكانت عقب الحرب العالمية الثانية التي أنهت الصراع بين ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي والتي تبلورت بشكلها الأساسي باتفاقية ماستريخت 1991م، والتي تشكل على إثرها النسق الدولي الحالي المعروف بالاتحاد الأوروبي.

الخاتمة:

لقد كان النظام الدولي مطلب بشري بين المجتمعات المتعاقبة، وقد بدأت نواته بالتشكل في أوروبا منذ منتصف القرن السابع عشر، ثم تشكلت عبر تاريخه مجموعة من الأنساق الدولية والتي ساهمت بفترة من الفترات على إرساء السلم العالمي، كما كان لها في بعض الحقب التاريخية نصيب الأسد في إشعال الحروب والأزمات حول العالم.

التعليقات مغلقة.