الأدب في العصر العباسي

804

 مقدمة

كان الأدب العربي غنياً وغزيراً بما يقدمه من مواضيع مختلفة على مر العصور، ولم يكن الأدب في العصر العباسي أقل من غيره من حيث تقديم مادة غنية بالمعرفة الممزوجة بنوع من التجديد وتنويع مواضيعها، وما كان للأدب في العصر العباسي من أهمية كبيرة، فقد انتقل من مرحلة إلى أخرى بكل سلاسة، وحافظ في الكثير من الأحيان على أصالته وجزالته، على الرغم من اختلاط اللسان العربي باللسان الأعجمي، وظهر أنواع جديدة في الموروث الشعري لم تمن ظاهرة من قبل في العصور السابقة، كما هو الحال في النثر الذي حافظ على جذوره العربية، وأضاف الأدباء فنوناً جديدة، وبرز الكثير من الشعراء والأدباء الذين ما زال ذكرهم حاضراً إلى يومنا هذا، فما أجمل أن أبحث في موضوع أدبي يُعنى بدراسة الأدب في العصر العباسي.

الأدب في العصر العباسي

وصلت الحياة الفكرية في العصر العباسي إلى قمة التطور والازدهار والرقي، لاسيما في العلوم والآداب، وقد عرف العصر العباسي الكثير من الحركات الثقافية والفكرية، ويعود ذلك إلى تداخل الأمم وتقارب ثقافاتها، ونُقل التراث اليوناني والفارسي والهندي بتشجيع من الخلفاء، وأقبل العرب على الثقافات المتنوعة، مما جعل العصر العباسي عصراً ذهبياً في الحياة الفكرية، وسنحاول فيما يلي التعرف على الإنتاج الأدبي بشعره ونثره على اختلاف فنونهما، وما لحق بها من خصائص وتطورات، فاللغة العربية أخذت منحاً جديداً في العصر العباسي فقد أصبحت اللغة الرسمية في البلدان التي تخضع لسيطرة المسلمين، وكانت لغة العلم والأدب والفلسفة لكافة الشعوب المسلمة، وأخذ أدباء الأمصار بالكتابة باللغة العربية مع أن قسماً كبيراً من أصحابها ليسوا بعرب.

الأدب في العصر العباسي

وغلب على الأعاجم الكتابة بالعربية وتأثروا بالاتجاهات الأدبية العربية وانحصار تجديدهم ضمن القوالب التقليدية، ومن ينظر إلى العصر العباسي يجد أنه قد حمل الكثير من التجديد ولكن ضمن الأطر التقليدية، كما انتشرت المعارف وكثر الإقبال على البحث والتدوين، وأنشئت المكتبات وراجت أسواق الكتب ووضعت المؤلفات في مختلف أنواع العلوم، ومنها الأدب وبرع العرب في الكثير من العلوم التي استحدثوها وبدأوا بنشر معارفهم في العالم، وكل ذلك شجّع على التدوين وانتشاره، وأقبل الأدباء على التأليف بشتى العلوم ليغنوا المكتبة العربية بأنواع كثيرة من العلوم، فالأدب العباسي جاء أغنى مما سبقه على صعيد الشعر والنثر وبقية المعارف الإنسانية، وجاء زاخراً بالمعطيات الإنسانية من حيث تصويره لجوهر الإنسان نتيجة عمق التجربة الإنسانية، وكان الأدب العباسي راسماً للمشاكل العامة في الاجتماع والفكر والسياسة والأخلاق، وكل ذلك ظهر في مؤلفات الشعراء وكتابة الأدباء، من قبيل أبي نواس وخواطر الرومي، وأشعار المتنبي وحكمه، ووجدانيات أبي فراس الحمداني، وانتقادات الجاحظ، وعرف العصر العباسي مدارس أدبية شعرية ونثرية كمدرسة أبي نواس ومدرسة أبي تمام، ومدرسة أبي العتاهية ومدرسة المعري في الشعر، وعرف النثر مدراس أخرى كمدرسة ابن المقفع ومدرسة الجاحظ ومدرسة بديع الزمان الهمذاني، ولكل مدرسة منها خصائصها واتجاهاتها الفكرية المتميزة عن الأخرى.

أولاً: الشعر

الشعر في العصر العباسي:

لقد ظل الشعر فن العربية الأولى مع ما طرأ عليه من تجدد وتطور في الموضوعات والأفكار والصور والأساليب في العصر العباسي، ونبغ فيه كثير من المستعربين الذين كانوا يرجعون إلى أصول غير عربية، وظهرت في الشعر آثار الثقافات المنقولة، والعلوم المترجمة التي تمثلها الشعراء سواء منها الهندي أو الفارسي أو اليوناني.

ولقد نظر كثير من الشعراء في هذه العلوم وغذوا أشعارهم بأفكار منها، لقد كان العصر العباسي بحق هو العصر الذهبي للثقافة الإسلامية والعربية، ولقد زخر هذا العصر بأسماء شامخة ما تزال تُدرس نظرياتهم إلى وقتنا الحاضر في شتى بقاع الدنيا، وشأن الشعر والنثر شأن تلك العلوم التي زخرت بأسماء جهابذة، فقد كان للأدب في العصر العباسي نصيب من تلك الطفرة وتلك الحقبة الذهبية في العصر العباسي، فزخر كبار الشعراء والأدباء كالبحتري وأبا تمام والمتنبي وابن الرومي أبا العلاء، ومن أشهر الأدباء الجاحظ والأصمعي، وهناك الكثير من هؤلاء مما يجعلون هذا العصر هو العصر الذهبي للثقافة العربية والإسلامية.

مواضيع الشعر في العصر العباسي [1] :

انحسرت أهمية الشعر السياسي في العصر العباسي عمّا كانت عليه في العصر الأموي بسبب ضعف الأحزاب والعصبيات القبلية، وبالمقابل ازدهر شعر المدح بفعل ازدهار الحياة الاقتصادية وتطور الحياة الاجتماعية، وميل الخلفاء إلى الترف وحب المدح والإطراء، فأقبل الشعراء يمجدون الخلافة وأصحاب السلطة، مقابل العطايا السخية مما دفع الشعراء إلى الحلم بالثروات الطائلة، أما الغزل فقد مال أصحابه إلى التهتك والإكثار من الإباحية والفحش في الألفاظ وكثر الشعراء الماجنين في العصر العباسي، ومنهم أبو نواس، وحمّاد عجرد، ومطيع بن إيّاس، إلا أن فئة من المتعففين حافظ أصحابها على العذرية في الشعر، كالبحتري وأبي تمام وابن الرومي وأبي فراس الحمداني، فكل هؤلاء جاء غزلهم صادرة عن وجدان صحيح فيه الصدق والبراءة والمحافظة على آداب الشعر العربي، أما الفخر فقد تحوّل فيه إلى العصبية العنصرية أو القومية، وكل هذه المواضيع كانت معروفة في العصور السابقة وساعد الشعراء العباسيون على قوتها، كما ساعدت البيئة العباسية على ازدهار فنون جديدة كانت من قبل غير معروفة أو ضعيفة، ومن تلك الفنون شعر المجون نتيجة الزندقة وتفشي الفساد، وشعر الخمر الذي ارتقى على يد أبي نواس، وساعد في انتشاره الثقافة التي تيسرت للعباسيين فعمقت من تجربتهم، فأبو نواس تجاوز الأعشى والأخطل والوليد وجعل من الخمريات رمزا لهذا التجديد وأساسا لنشر الآراء وفلسفة الحياة والوجود .. وبعد أبي نواس استمرت الخمريات فنا شعريا راقيا اشتهر فيه ابن المعتز ومعز الدولة البويهي والغرائي وسواهم.
ومن الفنون الشعرية التي حافظت على رواجها وتطورت في العصر العباسي فن الوصف التي شمل الطبيعة المطبوعة والطبيعية المصنوعة، ولهذا اهتم الشعراء بالرياض والقصور، والبرك، والأنهار، والجبال، والطيور، والمعارك، ومجالس اللهو، وغير ذلك.

الأدب في العصر العباسي

 الفنون الشعرية التي تجددت

  1. شعر المدح:

ظل شعر المدح يطرق المثل الخلقية للممدوح عند شعراء العصر العباسي، ويمدحون بها الخلفاء والوزراء والقادة وكل من يلعب دوراً في تصريف شؤون الدولة، واستخدم الشعراء صوراً حية في نفوس الممدوحين، وذلك باستنباطهم معانٍ في الكرم والشجاعة وشرف النفس وعلوم الهمة، كما أضاف الشعراء صورة جديدة في المدح وهي تقوى الله والحكم بالشريعة، وسجلت بعض القصائد المدحية وقائع وأحداث وصراع داخل الدولة وخارجها.

  1. شعر الهجاء:

اهتم الشعراء في أسلوب الهجاء بسلب الإيجابيات والمثاليات الخلقية، وإلصاق أبشع الصفات الخلقية في المذموم، فكان الهجاء طعناً وتحقيراً ورمياً بصفات الدنس والبخل والظلم.

  1. شعر الفخر والحماسة:

 أخذ بعض الشعراء بتصدير إحساسهم بالمروة والأخلاق والقيم المثلى، والحث على الجهاد وملاقاة الأعداء والفخر بالبطولات في المعارك للإثارة والحماسة.

  1. شعر الرئاء:

 زاد نشاط شعر الرثاء في العصر العباسي الذي كان موجهاً في غالبيته لرثاء كبار رجال الدولة، وركزوا على تمجيد البطولة والقوة في المرثي، كما اتجه الشعراء في رثائهم إلى الأصدقاء والأبناء والزوجات، كرثاء ابن الرومي لابنه ورثائه لمدينة البصرة الذي أوجد لوناً جديداً في الرثاء اتبعه في ذلك شعراء الأندلس.

  1. شعر الوصف:

 أصبح لون الوصف لوناً مستقلاً في العصر العباسي بفعل الطبيعة الغنية بالجمال، بل زادوا فيها إلى جانب المطر والسحب والحدائق والقصور والطبيعة في فصل الربيع فوصفوا المعارك الحربية خاصة مع الروم.

  1. شعر الغزل:

 كان ينبع شعر الغزل من عاطفة صادقة، وتميز بالرقة والتلطف وسار في اتجاهين هما الغزل العفيف وغزل المجون، وبرز ذلك النوع من الشعر لانتشار الجواري والقيان وانغماس الشعراء في الترف والنعيم.

  1. شعر العتاب والاعتذار:

وعادة ما كان بين الأصدقاء والحكام والولاة للتعبير عن عواطفهم، وللدلالة على رهافة الحس وخصب الذهن، وأظهر الشعراء قدرات عقلية وقوة حجتهم ومنطقهم.

  1. الشعر السياسي:

وكان بدافع الصراع بين القوى المتنافسة سياسياً كالشيعة والدعاة إلى العلويين والمدافعين عن حق العباسيين في الخلافة، لكنه انحسر عمّا كان عليه الحال في العصر الأموي وذلك لضعف الأحزاب السياسية وقلتها.

اقرأ أيضاً: بحور الشعر النبطي الرئيسية والمبتكرة

  الفنون الشعرية الجديدة [2] :

  1. شعر الزهد والحكمة:

وأصبح موضوعاً رئيسياً من مواضيع الشعر، ونظم به الشعراء الذين زهدوا في الحياة ودعوا إلى التقشف، وواجه التيار الذي جذبه الترف وانساق وراء المجون ومن أشهر شعراء هذا الاتجاه أبو العتاهية.

  1. الشعر التعليمي:

وهو عبارة عن قصص ومعارف وبعض السير والأخبار التي ينظمها جماعة من الشعراء بهدف تعليم الناس، وكان من رواد هذه الاتجاه أبان بن عبد الحميد اللاحقي، وكان مما نظمه هؤلاء الشعراء مسائل علمية ودينية وفقهية وفلسفية وتاريخية.

خصائص الشعر العباسي:

في العصر العباسي تطورت المعاني الشعرية عمقاً وكثافة ودقة في التصوير، فجاءت شاملة للحقائق الإنسانية وقد انصرف الشعراء عن المعاني القديمة إلى معان جديدة، يساعد على ذلك ما كسبه العقل العباسي من الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، وما وصلوا إليه من أساليب فنية قوامها المحسنات اللفظية والمعنوية ومثال ذلك أن أبا تمام يجمع في قصيدة “فتح عمورية” بين العملية الفكرية والعملية الفنية، فأخرج من القصيدة شعراً جديداً راقياً، فيه من القديم مسحة ومن الجديد أخرج معاني وصوراً طريفة وكثرت في الشعر العباسي الأمثال والحكم، وبرز فيه المنطق والأقيسة العقلية، وترتيب الأفكار، كما ظهر الإبداع في التصوير والإعراب في الخيال، ومجاراة الحياة والفنون في الزخرفة والنقش، والاهتمام بالألوان.
وامتاز الشعر العباسي بدقة العبارة وحسن الجرس والايقاع، وذلك بتأثير الحضارة ورفاه العيش كما امتاز بخروجه على المنهجية القديمة في بناء القصيدة وترتيب أجزائها، وكثيراً ما ثار الشعراء على الأساليب القديمة، وتمتاز القصيدة العباسية بوحدة البناء، وفيها صناعة وهندسة، مع استخدام الصور البيانية، فضلاً عن التجديد في الألفاظ المستعملة والموحية[3].

ثانياً: النثر

الأدب في العصر العباسي
الأدب في العصر العباسي

 النثر في العصر العباسي:

خطا النثر العباسي خطوات كبيرة، فواكب نهضة العصر وأصبح قادراً على استيعاب المظاهر العلمية والفلسفية والفنية كما أن الموضوعات النثرية تنوعت فشملت مختلف مناحي الحياة، فالكتابة الفنية توزعت على ديوان الرسائل والتوقيعات وغيرها، وكان المسؤولون يختارون خيرة الكتاب لغة وبلاغة وعلماً لتسلم الدواوين، ولاسيما ديوان الرسائل الذي كان يقتضي أكثر من غيره اتقان البلاغة والتفنن، ومستوى رفيع من الثقافة فضلاً عن ذلك النثر الفني القصص والمقامات و النقد الأدبي، والنوادر والأمثال والحكم، والتدوين والرحلات والتاريخ والعلوم وعظم شأن القصص في العصر العباسي، فاتسع نطاقه وأصبح مادة أدبية غزيرة، وتنوعت المؤلفات القصصية فأقبل الناس على مطالعتها وتناقلها ومنها ما اهتم بالحقل الديني ككتاب قصص الأنبياء المسمى بالعرائس للثعلبي، وقصص الأنبياء للكسائي، وقصة يوسف الصديق، وقصة أهل الكهف، وقصة الإسراء والمعراج ومنها القصص الاجتماعية والغرامية والبطولية ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وقصص العذريين، وسيرة عنتر، وحمزة البلوان، وسواها ومنها القصص التاريخية التي تناولت سير الخلفاء والملوك والأمراء كما عرف العصر العباسي القصص الدخيلة المنقولة، مثل كليلة ودمنة، وكتاب مزدك، وكتاب السندباد، وبعضاً من ألف ليلة وليلة، وأكثره خيالي خرافي يدور بعضه على ألسنة الحيوان.
وإلى جانب القصة ازدهر أدب الأقصوصة، وكتاب البخلاء للجاحظ خير مثال على هذا النوع من الأدب وقد امتاز الأدب القصصي العبسي بدقة الوصف والتصوير وبراعة الحوار، والقدرة على استنباط الحقائق وتصوير مرافق الحياة، وتسقط العجائب والغرائب، والكشف عن العقليات والعادات والتقاليد.

الفنون النثرية الجديدة: 

وفي العصر العباسي ظهر فن المقامة الذي وضعه بديع الزمان الهمذاني، ولقي كثيراً من الرواج في العصر العباسي وما بعده، وهو سرد قصصي يتناول الأخلاق والعادات والأدب واللغة، ويمتاز بأسلوبه المسجع وأغراقه في الصناعة وكثرة الزخارف والمحسنات المتنوعة، وفضلاً عن ذلك اهتم النثر العباسي بتدوين العلوم على أنواعها وهذه العلوم كانت إما عربية إسلامية كعلوم الشريعة والفقه والتفسير والحديث والقراءات والكلام والنحو والصرف والبيان وغير ذلك، وإما أجنبية التأثير كالمنطق والفلسفة والرياضيات والطب والكيمياء والفلك وعلم النبات والحيوان وغير ذلك.

وظهرت الرسائل الأدبية التي تضمنت الحكم وجوامع الكلم والأمثال والفكاهات وكانت موضوعات الرسائل تتراوح بين الأخبار والأخوانيات، والاعتذار وغير ذلك وراجت الرسائل الطويلة في العصر العباسي فتناولت السياسة والأخلاق والاجتماع، كرسالة الصاحبة لابن المقفع، ورسالة القيان ورسالة التربيع والدوير للجاحظ، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري [4] .

قد يهمك أيضاً: النثر في العصر الجاهلي

خصائص النثر في العصر العباسي

لم يكن الجاحظ والبديعُ وحدهما هما البارزين، من كتّاب هذا العصر المجيد، ولكن ظهر فيه من كبار الكتاب عددٌ غير قليل، مثل عبد الله بن المقفع، وسهل بن هارون، وابن العميد وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.
ويدلّ ذلك على أن الكتابة الأدبية قد ازدهرتْ ازدهاراً عظيماً في هذا العصر، ومن يقرأ كتب الأدباء العباسيين يجد تجديداً قد طرأ على مضمون النثر ونجد تنوعاً في مواضيعه، إذ أصبح للنثر موضوعٌ يتحدثُ فيه بعد أن كان فيما قبلُ يقتصرُ على الرسالة أو الخطبة، ولكن الجاحظ وأمثاله جعلوا النثر يتّسع لتصوير حوادث المجتمع، ويُحلّلُ كلَّ ظاهرة تخطر على النّفس، ويكونُ للمقال مقدمة واضحة تدل على ما سيتحدث عنه الكاتب، ثم يأتي بعدها العَرْضُ الشافي الممتد، وتجيء الخاتمة في النهاية تلخّص الموضوع، ومن وراء ذلك كلّه ربطُ المعاني، فالأفكار متماسكة متصلّة، وتُدرك ذلك بأيسر جُهد حين تقرنُ كلمةَ هانىء الشيباني في العصر الجاهلي بكلمة الجاحظ في هذا العصر.
أما الألفاظ فأكثرُ وضوحاً، وبها موسيقى، تدلّ على أن وراءَها هندسة تزن الكلام، وتختارُ منه ما يُحدثُ في السمع رنيناً هادئاً يُطرب النفس، وقد كانَ الأسلوب في أوّل العصر مُرْسلاً يَجْري خالصاً من القيود، ولكنه كما عندَ بديع الزمان الهمذاني قد أصبحَ مسجوعاً يميلُ إلى نوع من التأليف المقيّد، وهذا النوع يَسرّ النفس إذا كان طبيعياً غير متكلف، ولكنه يضايقُ القارئ إذا كان مستكرهاً متكلّفاً، لأنّ الكاتب حينئذٍ لا يَجدُ من أفكاره الهامة ما يقدّمهُ للناس فيلجأ إلى هذه القيود المتكلفة يظنّها ممّا تفيد وتحسن، ولكنّ التكلّف في أكثر أحواله ثقيلٌ غير مقبول.
ونلاحظ أن الترجمات الأدبية والعلمية عن اليونان والفرس والهند قد ظهرت كثيرةً في هذا العصر وما نراه في الكتابة من تماسك وعمق قد كان بعض آثار هذه الترجمة لأن العقول تؤثر، والأفكار تتجاوب [5] .

الخاتمة

كان  الأدب  العربي في العصر العباسي من أكثر العصور غزارة وعطاءاً من أي عصر، فقد غزر بالكثير من المواضيع الجديدة بالإضافة إلى المحافظة على مواضيع الشعر العربي، واتسم بأنه كان ملامساً لكافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، فقد تطور الأدب أسوةً بغيره من العلوم التي تطورت في العصر العباسي، وساهم في ذلك عناية الخلفاء بالأدب بكافة جوانبه من تأليف وتشجيع على العلم، وشهد أيضاً بزوغ نجم الكثير من أهل الكلام من شعراء وأدباء ومؤلفين برعوا وتفننوا في عملهم، وساهموا في تطور الكثير من العلوم الأخرى، وعرف العصر العباسي أيضاً نشاطاً لحركة الترجمة من اللغات الأخرى بالإضافة إلى الترجمة عن اللغة العربية، وأسهم في ذلك تنوع الثقافات واندماجها في ظل الثقافة العربية الإسلامية، وهذا ما أنتج عنه فائضاً أدبياً هائلاً أسهم في تطور الحركة الأدبية ونشوء فنون أدبية جديدة كان لها أثراً واضحاً في العصور التي تلت العصر العباسي.

ومن وجهة نظرنا فقد كان العصر العباسي ذروة ما وصل إليه النتاج الفكري العربي الإسلامي، مما أعطى اللغة العربية دفعة كبيرة لتتفوق على الحضارات السابقة، وليس بغريب على اللغة العربية تفوقها وتقدمها على غيرها من الأمم ذلك أن العرب معروفاً عنهم فصاحة لسانهم، وجزالة ألفاظهم، وخيالهم الفكري الواسع المستمد من الطبيعة التي كان يعيش بها العرب، فقد عاشوا في الصحراء وفي الجبال وعلى شواطئ البحار والأنهار، وما زاد الأدب في العصر العباسي غزارةً كتابة غير العرب مؤلفات وكتب باللغة العربية، حتّى أن هناك الكثير ممن برزوا في العصر العباسي بمؤلفاتهم الأدبية أو قصائدهم الشعرية هم من غير العرب، والذي سرت اللغة العربية في عروفهم فأحبوها وألفوا فيها، فيا حبذا لو نعود إلى لغتنا العربية الفصيحة ونترك ما نحن فيه من وهن وركاكة في الألفاظ، ويا حبذا لو نعود إلى فن التصوير اللفظي الذي امتاز به شعراء العرب السابقين.

التعليقات مغلقة.