أدبمجتمعي

أنا والجرذ ونقيصة الفقر

كَفنٌ يتلبس لاجئ

هذا الوقتُ، بات فيه الفقر نقيصة، نعم.
يحنِقُني الصمتُ، هذا الصمت الذي أشعر به يتحول لمادة، شيءٌ يشبه الرماد داخل حنجرتي. أريدُ أن أصرخ، بيدَ أن جسد صوت الصراخ يتحول لفحيح!
لا أدري كيف أصف هذا الواقع الذي لازال يهوي في دركات الجحيم، الواقعَ الذي نحياه، نحن، المهمّشين، لكن ما أنا مدركه أنه يُحدث بداخلي ثقبًا، فجوة، حفرة، فراغ، خواء!

نحيا في المشهد الخلفي للحياة غير المحسوبة في معجم العيش، في مكانٍ فاسدٍ غير صالح؛ لأننا محكومون بالفقر.
هنا، لاشيء يدلُّ على حياةٍ حقيقيّة إلا صوت الأطفال وصراخهم، أما البقية، فإنها جثث تدفع نفسها باستسلام مثقل في سيرورة يكتنفها العماء.

في الأحياء العشوائيّة والفقيرة، تكون الجرذان مقيمة أبدًا في الشوارع والحفر وفي كل زواياها، وحريتها هنا كبيرة في الحركة. تتخذ من هذه الرقعة وطنًا لها. نتشاطر المكان. اعتدنا تواجدها في الشوارع

أقطن مع عائلتي في بيتٍ صغير، قديم ومتهالك، لا تدخله الشمس، أرضي؛ ضيق ذات اليد دفعتنا برضا لسكناه. أغلب زجاج نوافذه مكسور، وضعت بدل الزجاج قطع خشبية وكرتونيّة، رسمت عليها سماوات صافية، غيوم متكاثفة، شمس؛ محاولة بائسة مني لإغراء الشمس بالدخول وإيهام النفوس القاطنة بالجمالية الفقيرة. أصلحت الباب الخارجي، والبقية خطنا لها أقمشة من ثياب لم يعد بالإمكان رتقها، رغم تداخل الألوان إلا أنها ليست بالشناعة حدّ التشويه البصري. أصلحت بالبيت ما استطعت.
كنت ولازلت مدفوعًا بالمقاومة والاستمرار؛ لأني أحمل على ظهري عائلة كبيرة. كان يتحتم عليّ أن أنشب أظافري العشرة في إطار الحياة.

صباح هذا اليوم، صحوت كالعادة دون إيعاز من أحد أو تنبيه الهاتف. اعتدت إيقاع أيامي الرتيبة، إذ بتُ كالآلة أقوم بالنشاط الموكل برتابة جوفاء.
اتجهت للحمام للاغتسال، سمعت صوت حركة داخله وأنا واقف بالباب، طرقت الباب للتأكد من أن أحدًا بالداخل، لم أحظى برد. لم يحدث يومًا أن أستيقظ أحدهم قبلي.
عاودت الطرق والسؤال، كذلك، لم ألقى أيّة رد.
صرخت بإنني سأدخل، وذهبت كلماتي دون جواب.
فتحت الباب ببطء، دفعت رأسي أولًا، لم أجد أحد بالداخل، دفعت بنصف جسدي وإذ بي أرى جرذًا في الزاوية الأخرى. دخلت وأغلقت الباب خلفي فورًا، وهذا لم أستطع فهمه حتى اللحظة، لا أدري قوة عمياء دفعت بي للدخول ومواجهة الجرذ وجهًا لوجه في مساحة ضيقة!
أنغرز الرعب بقلبي! أفرُّ؟ إلى أين؟ سيصحو من في البيت ويستحال إلى قيامة!
ينكمش الجرذ المبلل على نفسه في الزاوية ويراقبني بعيونٍ حادة، يرفع الجزء الخلفي من جسمه ويخفض الأمامي بتأهب عالي، وأنا الذي غرق جسدي بدوامة ذعر أراقبه بعيون متوسلة.
شعرتُ بالعرق البارد يطفح من مسامات جلدي ويسيلُ لأسفل ظهري. من أين خرج هذا اللعين؟!
بعد النظر بزاوية عيني في المكان، وجدت مصرف المياه البلاستيكي محطم وخارج من مكانه؛ أدركت أنه خرج منه.
دفعت يدي ببطء إلى تنكة الصفيح التي نستخدمها لتسخين المياه -امتلكناها من فضلات أحد المطاعم-. حاولت أن أحتمي بها، أستخدمها كدرع دفاع، ولسان حال قلبي بتضرع شديد يرجوه بالمغادرة دون مواجهة وإعلان النفير والرعب بالبيت، حيث سيكون عليّ حتميّة تغيير البيت وهذا ما هو محال لي.
بمحاولتي تلك كان قد فرّ بسرعةٍ لا تدرك للمصرف الذي جاء منه بعد تحطيمه.
انهرت على أرض الحمام، وفي جو الصمت الفجائعي الحذر، حطّم جداره صوت رنّة على تنكة الصفيح؛ كانت دمعة فّرت من عيني.

إنّني أتوق إلى صورة واحدة، يتيمة، رحيمة، من صور العيش الهانئ!

تناولت الدلو البلاستيكي، فتحت صنبور الماء عليه، جلست على الأرض، ألصقت ساقاي بعظام صدري الناتئة، وأسقطت رأسي بأعوام شقائه على ركبتيّ، أتابع امتلاء الدلو بنصف حضور، ونصف تعب، ونصف قهر.
بعد الامتلاء، تناولت كيسًا فارغًا محشورًا بزاوية النافذة، ارتديته بيدي، أزلت قطع الأسمنت حول المصرف وبداخله ورميتها بسلة المهملات. أعدت وضع الغطاء وأثقلته بدلو الماء. ذهبت للمطبخ وتناولت من تحت إحدى رفوفه الأسمنت الذي اشتريته سابقًا منذ سكناي لهذا المنزل القديم -وكنت احتاجه دائمًا لكثرة ما أُصلح به-، وصحن ستانلس كبير للخلط قد استلمناه حين دخولنا مخيم اللجوء.
داخل الحمام، خلطت الأسمنت بالماء في الصحن الكبير، وضعت الأسمنت على حواف المصرف، تركته يجف حتى أتيقن من صلابته وعدم مقدرة الجرذ على العودةِ منه.

لا تشمئز وتتقزز عزيزي، قارئ كلماتي! عليّ أن أحكي، أقصّ، أغسل الألم والفجيعة بالكلمات؛ وإلا تعفنت من الداخل.

رتبت الفوضى، أعدت كل شيءٍ كما كان، اغتسلت وخرجت. بدلت ملابسي، استعدَدْتُ للخروج هذه المرة دونَ تناول إفطاري المحصور بثنائية الزيت والزعتر، وإذ بأمّي تخرج من الغرفة.
ألقيت عليها تحية الصباح. قالت لي: ولدي، ألا تتناول فطورك؟
قلت لها: لا. ليس بي شهية اليوم يا أمّي.
لم تسألني عن الجلبة التي أحدثتها، تأخرت قليلًا بصحوها عامدة، وكلّ من في البيت كذلك منذ سنوات لجوئنا الأولى. نتقصد ذلك حتى لا نشرّع أبواب الجحيم للأسئلة العبثيّة والاستنكار على سيرورة ما، ملّت من سحقنا، رغم السعي الدؤوب حدّ الزحف.
التحفنا الصمت جميعًا، لكن، كلّ الأسئلة والرفض تطوف بين عيوننا وقلوبنا وجراحنا.

قبل الخروج تباركني أمّي وتدعو لي. أخرج للعمل، أخرج لأركض خلف حياةٍ لا تجيء، فما أعود إلا بالرغيف وإهانات الدائنين والمؤجر.
أدفع بقايا جثتي في الشارع، ويأخذني فضاءُ الجنون لأنادي "بابلو نيرودا"، أقول له: عزيزي نيرودا، أبناء الماديّة النفعيّة شوّهوا كلماتك، أحلوها للنقيض.
الآن، هكذا يتغنّون:
إنّي ألاحقك أيها الفقير
أترقبك
أحاصرك
أصوِّب عليك، أعزلك
أقضم أظافرك
أحطم أسنانك الباقية.




الكاتب:

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى